محمد جمال الدين القاسمي

276

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

[ الإسراء : 36 ] . ولذلك اخترت الوقف في حكم قاتل المؤمن . بعد الانتصاف منه للمظلوم والقطع على أنه فاسق ملعون ، واجب قتله والبراءة منه . والقطع أن جزاءه جهنم خالدا فيها ، كما قال تعالى على ما أراد . وإنما وقفت في محل التعارض الذي أوضحته في ( العواصم ) لا على حسب ما قيل في أن اللّه تعالى في هذه الآية ، هل بيّن جزاءه الذي له أن يفعله إن شاء ؟ أو بيّن جزاءه الذي تخيّر له في تنجيزه حين لم يبق إلا حقه بعد استيفاء حق المظلوم المقتول ؟ واللّه سبحانه أعلم . فمن رجح الجمع بين وعيد القاتل وبين قوله تعالى : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] ، وسائر آيات الرجاء وأحاديثه - قال بالأول . ومن رجح وعيد القاتل في هذه الآية ، وفي الأحاديث المخصصة لقتل المؤمن ، بقطع الرجاء ، كما أوضحته في ( العواصم ) - رجح وعيد القاتل . ومن تعارضت عليه ولم ير في تنجيز الاعتقاد مصلحة ولا له موجبا ولا إليه ضرورة - رجح الوقف . واللّه عند لسان كل قائل ونيته . ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه . وعليه عمل علماء الإسلام في أدلة الشريعة . ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل موضع . واضطر إلى التحكم والتلوّن من غير حجة بيّنة وقد أجمع من يعتدّ به من المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي ، متى كان أهل الصغائر من المسلمين . ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ولا تكذيب لشيء منها . فكذلك سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس فيه مناقضة لعمومات آيات الوعيد ، ولا يستلزم تجويز الخلف على اللّه تعالى . وذلك باب واحد . ولذلك اشتهرت أحاديث الرجاء في عصر الصحابة والتابعين . ولم ينكرها أحد . بل رواتها أكابرهم وأئمتهم . وفي ( العواصم ) من ذلك عن عليّ عليه السلام بضعة عشر أثرا . بل المخصصات للعمومات في ذلك قرآنية . وعمومات الوعد مانعة قبل تخصيص الوعيد من الجزم على وقوع عمومه دون عموم الوعد . على أن الخلف عند جماعات كثيرة لا يكون إلا في عدم الوفاء بالوعد بالخير . وأما الوعيد بالشر فقد اختلف في تركه . وأجمعوا على أنه يسمى عفوا . كما قال كعب بن زهير : أنبئت أن رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول وإنما اختلفوا ، مع تسميته عفوا ، هل يسمى خلفا أم لا ؟ ومن منع من ذلك ، منع صحة النقل له لغة . واحتج على امتناعه بأنه لا يصح اجتماع اسم مدح واسم ذم على مسمى واحد . انتهى .